بقلم: جهاد صعيليك
في كل مرة أقرأ واحدا من هذه المقالات التي تتحدث عن دبي، وما يحاولون تصويره على أنه أزمة اقتصادية فيها، أسأل نفسي سؤالين: ماذا حدث للموضوعية والمهنية الصحفية؟ وما أهي أسباب هذه الحمى التي تختص بدبي دون غيرها وكأن العالم كله يعيش أسعد أحواله ولم يبق إلا دبي!
ما الذي يجعل بعض الصحف التي تصنف بأنها من أكثر الصحف العالمية احتراما للمهنية تسمح بنشر تقارير تقول صراحة إن الإشاعات مصدر لمعلوماتها.. منذ متى يقبل صحفي محترم نشر الإشاعة كمعلومة ودون حتى طلب تأكيدها من مصدر ثان مقبول مهنيا؟
أحاول منذ أسبوعين أن أبحث عن أي سبب مقبول مهنيا يفسر ظهور إشاعة أن هنالك 3000 سيارة متروكة في مواقف مطار دبي فلا أجد إلا الإشاعة نفسها، بدأت في التايمز اللندنية وتكررت في النيويورك تايمز ونقلتها عدة مواقع عربية، والكل يكرر نفس الكلام، بل إنهم لم يحترموا حتى الإشاعة نفسها: فهم يقولون إن الحديث يدور عن ألفي سيارة، ثم يعودون للقول "وهناك 3 آلاف سيارة".
وعلى ذكر الثلاثة آلاف سيارة هذه، أقول إنني كنت كقارئ وكصحفي سابق سأقتنع بهذا الرقم لو كان هنالك أي دليل يؤيده بحيث يبرر قيام هذه الصحف بتكراره، مثلا لو قال أحدهم إنه جلس في موقف المطار وشاهد الناس يتركون سياراتهم وسألهم فقالوا له لماذا، أو أنه سمع هذه الإشاعة من سائق التاكسي. وحتى في هذه الحال، فهو قد يبرر عشر سيارات أو عشرين أو ربما مائة أو مائتين، وليس 3 آلاف! في كل "ويك إند" تمتلئ مواقف مطار دبي بسيارات الذاهبين لقضاء الويك إند في الدول المجاورة، فهل هذا يعني أن الناس هجرت دبي؟
لكن هذا شيء، وكُـتـّاب الغفلة شيء آخر. أحدهم جاء إلى الإمارات مساءَ خميس، وذهب إلى فندق في الشارقة، انطلق منه صباح الجمعة إلى لقاءي عمل انتهى منهما فتوجه إلى مول الإمارات للتجوال وغداء سريع وقرابة الواحدة والنصف توجه للقاء عمل آخر.. قبل التوجه للمطار (وأنا أنقل تفاصيل يومه عن أحد الذين التقوه، نقلا عنه هو شخصيا). عاد إلى بلده ليكتب عن أزمة في دبي مستشهدا بأن الطريق من الشارقة إلى دبي فارغة وأن مراكز التسوق لا أحد فيها؟ ولم تسعفه لا موضوعيته ولا مهنيته كي يقول للناس إن طريق الشارقة دبي تكون دائما فارغة صباح الجمعة وأن المحلات في مراكز التسوق وغيرها غير مسموح لها ممارسة التجارة وقت صلاة الجمعة التي لم يأبه صاحبنا حتى بأدائها!
هذا صحفي عربي ما.. بينه وبين المهنية والموضوعية أشواط.. لكن ماذا نقول للغارديان؟ تطلب الجريدة "المحترمة" من مؤلفة أسترالية أن تدرس النمط المعماري في دبي، فتقرر هذه المؤلفة أن تقضي وقتا كافيا في دبي، كم؟ أربع ساعات (هي فترة الترانزيت أثناء رحلتها من لندن إلى أستراليا)، وبواسطة ماذا؟ باص جولات السياح المكشوف! والنتيجة مقالة تقول إن المصدر الأساسي لدخل دبي هو من تجارة العقارات والباقي من النفط!!، وأنها وجدت برج دبي خالياً من السكان (متى سكنوه؟) ونجدها تلقي نظرة على جزر العالم من داخل باصها في شارع جميرة (وارتفاع الباص لا يكفي لمشاهدة حديقة فيلا مجاورة للشارع)، قبل أن تواصل مقالتها بهذه الدرجة من "المصداقية" وبعبارات تقريرية من نوعية "هذه المشاريع لن تكتمل أبدا".... عفوا، كيف يمكن لصحيفة محترمة أن تقبل نشر مقالة خزعبلاتية مثل هذه؟
وثمة كلام مماثل حول تقرير نشرته قبل أيام النيويورك تايمز يمثل إعادة صياغة لتقرير التايمز اللندنية ويقدم إدعاءات مماثلة من مثل قصة الثلاثة آلاف سيارة قبل أن يصور مالك محل سيارات في سوق السيارات المستعملة يجلس لتدخين الأرجيلة وبجواره مقعد فارغ.. يعتبره كاتب التقرير دليلا على تراجع اقتصاد البلد! مقعد فارغ؟؟؟
أين المشكلة في هكذا مقالات: إنها باختصار تتجاهل البدهيات المهنية الأساسية في عالم الصحافة عموما والصحافة الاستقصائية تحديدا لتقدم للناس افتراضات وادعاءات غير صحيحة وغير مبنية على أي أساس موضوعي أو علمي.. بل إن بعض المعلومات الفنية يتم التلاعب بها لتقدم صورة مختلفة كالخلط المتعمد في مقالة الغارديان بين الإمكانيات المالية لشركة إعمار وقيمة تداول أسهمها في سوق دبي المالية، ثم وضع نسبة مئوية مختلقة.
ومن الأمثلة الغريبة على التلاعب بالأرقام تقرير الفاينانشال تايمز الأخير حول ما سمته "ديون دبي"، حيث قدم المراسلان قيمة افتراضية لإحدى المشتقات المالية وقارناها بآيسلندا، دون تقديم ما يدعم هذه القيمة الافتراضية لا رقميا ولا صحفيا، خاصة وأن هذه المشتقة المالية تحديدا معروفة علميا وفنيا بأنها يدخل فيها مجال للتخمين، ما يجعل بعض الخبراء الماليين المختصين(في الأكاديميا والصناعة على حد سواء) يشككون بدقة الاعتماد عليها كمعيار تقييمي. وبينما توقع القارئ أن يقدم المراسلان توضيحا لطبيعة أرقامهما وقيمهما الافتراضية والأسس التي احتسبت قيمة هذه المشتقة بناء عليها، ومن قام بالاحتساب ابتداء، يفاجأ أن كل الاستشهادات المستخدمة تصب في اتجاه آخر يذكرنا بتصريحات المستر براون في زيارته الأخيرة للمنطقة عن ضرورة تدخل دول الخليج لإنقاذ الدول الغربية. والأسوأ أنه بينما تم تقديم هذه الأرقام بشكلها المضلل، تجاهل المراسلان تماما تصريحا مهما نقلاه قبل أسابيع قليلة عن محمد العبار رئيس المجلس الاستشاري في دبي والذي أوضح فيه احترام حكومة دبي الكامل لالتزاماتها المالية، ونقلا فيه أيضا توضيحات مماثلة لناصر الشيخ مدير دائرة المالية.
هنالك نصيحة أقدمها هنا للقراء الكرام: استخدموا عقولكم، ولا تسمحوا لهم باستغفالكم.. عندما يقول تقرير صحفي إن هنالك تراجعا اقتصاديا في دبي بدليل أن أحد أبراج مشروع أبراج بحيرات جميرا أطفأ أنواره.. ألا تشعرون بسخف هكذا استنتاج؟ حتى لو أطفئت أنوار الأبراج المائة في هذا المشروع، ألا يمكن أن يكون ذلك بسبب تعطل مولد المشروع!
أدرك طبعا السؤال البدهي الذي يطرح هنا: هل دبي في معزل عن الأزمة المالية العالمية؟ هذا الأمر شيء، وهو على كل ليس موضوع نقاشي هنا، والطريقة التهويلية الاجتزائية التي يتم التعامل بها مع الموضوع شيء آخر. سأضرب لكم مثلا عمليا تم تداوله كثيرا في الفترة الأخيرة. فقد تناقلت العديد من وسائل الإعلام مؤخرا تقريرا يقول إن الأرقام الرسمية تظهر أنه في شهر يناير المنصرم تم إلغاء حوالي 55 ألف تأشيرة إقامة في دبي، ويتوقفون هنا متحدثين عن رحيل الناس من دبي. لكن هذا مثل "ولا تقربوا الصلاة". فالأرقام الرسمية نفسها التي يستندون إليها، وفي التقرير الرسمي نفسه، تقول إنه تم إصدار أكثر من 88 ألف تأشيرة إقامة في الشهر نفسه؟ هل هذا يعني أن الناس ترحل عن دبي؟ لماذا يذكر الرقم الأول ويغفل الرقم الثاني؟ علما أن عملية الإلغاء لا تعني بالضرورة مغادرة دبي لأنها في معظم الأحيان تتم عند التحويل من شركة إلى أخرى وعدم تجاوب الشركة السابقة في النقل الودي، فيلغي الموظف إقامته ويغادر لساعتين ويعود بإقامته الجديدة.
هذا الأسلوب في التعامل المجتزأ مع الأرقام هو مثل آخر على استغفال القراء والكذب عليهم. أما الجديد فهو اختراع الأرقام والتفنن في نسبتها لجهات لا علاقة لها بها، في محاولة لإضفاء مصداقية على هذه الأرقام المزعومة.
هنالك خبر تم تداوله بدايات فبراير في عدة صحف ومواقع إعلامية عربية منسوبا لدراسة مسحية قامت بها شركة فرنسية تدعى ناسيبا (متخصصة في عمليات المسح، كما يقولون). وهذا الخبر مفبرك، فالشركة المذكورة متخصصة في تنظيم المؤتمرات وتعمل في دبي وأبو ظبي وبقية دول التعاون، ولم تصدر أي تقرير عن الأزمة المالية، لغياب أي نشاط لها في هذا المجال، كما أن الخبر المفبرك بدأ في موقع إعلامي محدد ولم ينشر إلا باللغة العربية بينما الشركة المذكورة لا تنشر تقاريرها بالعربية. وقد هاتفت أكثر من صحفي ممن نشروا الخبر متمنيا تزويدي بمصدره فاكتفوا بالإحالة إلى الموقع مصدر الفبركة... ولا أقول إلا: عجبي!
أما الأسوأ فهو حين تتحول بعض هذه المؤسسات الإعلامية، كالغارديان والبي بي سي وصحف بريطانية أخرى، إلى هيئات دفاع عن تجارة المخدرات... وبأسلوب أقل ما يقال فيه البعد عن احترام عقل القارئ! ما هي الجريمة حين تشتري دبي جهازا دقيقا لفحص المسافرين وحقائبهم بحثا عن المخدرات وغيرها من الممنوعات؟ أليس هذا أفضل وأكثر تحضرا من تمرير مجموعة من الكلاب على المسافرين؟ ما إن اشترت دبي هذه الأجهزة حتى أصيبت هذه الصحف بالحمى، ولكم أن تتخيلوا تقريرا في البي بي سي يقول إن دبي ستضعك في السجن إذا كشف الجهاز أن حذائك ملوث بملغرام واحد من المخدرات؟ حسنا، إذا كان هذا الشخص سيقطع متروات لندن كلها، وكل ممرات مطار هيثرو الماراثونية وسيطير 8 ساعات وسيبقى معه بعد ذلك ملغرام مخدرات في أسفل حذائه ليكتشفه جهاز في مطار دبي، فلا شك أنه كان موجودا في مصنع للمخدرات، وهو يستحق السجن بالتأكيد.
كما أسلفت، هذه المقالة لا تتعلق بالاقتصاد، بل بطريقة تقديم المعلومات للناس وتضليلهم بشكل غير بريء وغير مهني وغير موضوعي...
أما دبي.. صحيح أنها ليست جزيرة معزولة عن العالم وتطوراته، لكنها من قبل ما يجري ومن بعده، بخير وفي خير وعلى خير، والحمد لله.