مناقشة هادئة لأهم العوامل الاتصالية الضرورية لإنجاح عملية التحول إلى شركة مساهمة أو
تأسيسها ومن ثم إدراجها في الأسواق المالية، وما هو دور عوامل مثل الشفافية والحوكمة وعلاقات المساهمين.
يعتبر التحول من شركة خاصة أو مساهمة محدودة (مغلقة) إلى شركة مساهمة عامة (وكذلك تأسيس شركة مساهمة عامة)، وبما يقتضيه ذلك من طرح الأسهم للاكتتاب العام، وإدراج الشركة في الأسواق المالية، واحدا من التحديات الإيجابية التي تواجه القيادات المؤسسية على صعد عدة نظرا لما يرتبط بها من عمليات مراجعة على المستوى الإداري والتشغيلي لمختلف أساليب وأدوات الإدارة، وتواصلها مع شركائها وقطاعات الجمهور المستهدفة على اختلافها. وفي مقدمة مكونات هذا التحدي التعامل مع جمهور جديد (ربما يسمع بالشركة للمرة الأولى فضلا عن أن يتعامل معها)، وهو على وجه التحديد جمهور المستثمرين والراغبين بشراء الأسهم، وما يرتبط بهذا الجمهور من إدارات أسواق مالية، وشركات وساطة مالية وشركات استثمارية وأفراد.
تتعامل الشركات عادة مع هذا التحدي من منظورين منفصلين، رغم أنهما في الجوهر يفترض أن يكونا منظورا واحدا، حيث يتم في الغالب التعامل مع ما يعرف بـ "شئون المساهمين" من منظور إداري/محاسبي بحت، منفصل عن الشق الثاني المكمل وهو شق الاتصال الإعلامي. ما تهدف هذه المقالة إليه هو التذكير ببعض المفاهيم العملية المتعلقة بهذا التحدي، وأهمية تكامل أقسام شئون المساهمين ضمن المنظور الاتصالي العام للشركة، وبحيث يبدأ هذا التكامل مبكرا (أي قبل بدء عملية التحول إلى الشركة المساهمة، والإدراج في الأسواق المالية) بما يضمن نجاح هذه العملية وتحقيقها النتائج الإيجابية المرجوة منها.
مفاهيم أولية
لعل من المفيد هنا التذكير ببعض العوامل الأولية التي تجعل عملية التحول إلى شركة مساهمة وإدراج أسهمها في البورصة عملية ناجحة. إن أهم أهداف التحول إلى شركات مساهمة هو زيادة رأس المال بما يتيح توسيع نطاق الأعمال وزيادة الربحية، والمساهمون ليسوا سوى مستثمرين يريدون تحقيق أرباح على أصولهم (بما في ذلك احتمال إعادة بيع الأسهم المشتراة بأسعار أعلى). وهذا ما يجعل من الشفافية المتطلب الأول والرئيس في التحول ومن ثم الإدراج. إن توفير معلومات دقيقة حول المركز المالي للشركة قبل التحول وربحيتها، ومن ثم خططها المستقبلية وآفاقها الاستثمارية يعد في غالب الدول من الشروط الأساسية لما يسمى كتيب الإصدار الذي يسلم لكل راغب في الاستثمار ( أي: شراء الأسهم للمرة الأولى).
وهذا ليس كل شيء؛ فمن العوامل الأساسية في اكتساب ثقة هؤلاء المساهمين المحتملين اعتماد الشركة الساعية للتحول على مفاهيم الحوكمة في الشقين الإداري والمالي (وبما يعنيه ذلك من كفاءة التدقيق المحاسبي) ومفاهيم التشغيل الجيد في جانب العمليات.
صحيح أن المهمة ستكون مختلفة (ولا أقول أسهل) في حال الشركات المساهمة الجديدة تحت التأسيس، لأن النقاش سيكون حول خطة العمل التجاري ودراسة الجدوى التجارية لنشاط الشركة المعنية، لكن من الطبيعي أن شقي الحوكمة والتشغيل الجيد أصبحا الآن من العناصر المكملة لبناء صورة إيجابية واتخاذ قرار الاستثمار، وبالتالي سيكن ضروريا لهيئة المؤسسين توضيح التزامها بهذين الشقين.
قبل أن نبدأ
سواء أكنا نتحدث عن شركة قائمة تسعى لزيادة رأس المال من خلال التحول إلى شركة مساهمة عامة، أو عن هيئة مؤسسين تريد تجميع رأس المال اللازم لتأسيس مثل هذه الشركة، فإن العوامل الاتصالية للوصول إلى الغاية المبتغاة يجب أن تعمل وبشكل مبكر.. أي منذ اللحظة الأولى للبدء بالتفكير بالتحول/أو التأسيس. نحن لا نتحدث فقط عن الشفافية هنا، بل نضيف إليها تقديم الصورة الإيجابية بشكل متدرج يساهم في تهيئة الجمهور المستهدف وبناء اهتمامه وثقته بالمشروع المقترح وإيجابياته الاستثمارية.
ولعل أولى الخطوات في حالة التحول هي خطوة لا تحب شركاتنا العربية القيام بها، ألا وهي الحديث عن المركز المالي الحالي للشركة. اللهم لا حسد، لكن مركزك المالي الحالي (والذي نفترض أنه قوي ومشجع) هو نقطة الانطلاق لبناء تصور الآخرين عن شركتك في شكلها المستقبلي (المساهمة العامة)، خاصة وأنه سيفترضون أنك ستواصل قيادتها بالنجاح نفسه. قدم أوراق اعتمادك، ليس فقط كشركة، وإنما أيضا كقائد ناجح للأعمال. وهذا يتطلب أيضا تقديم أوراق اعتماد شركتك في إطارها الصناعي وتميزها في هذا الإطار، فإذا كنت متخصصا في صناعة الأنابيب، مثلا، من المهم أن تقول للناس كيف توسعت منتجاتك وأسواقك التصديرية وما إلى ذلك.
الفكرة باختصار، أنك لا تستطيع أن تظهر فجأة في السوق وتقول للناس تعالوا ساهموا في شركتي!! عفوا، لا تخلطوا هنا بين حالة الشركة القائمة والشركة المنوي تأسيسها، ففي هذه الحالة سيكون المطلوب تقديم أوراق اعتماد هيئة المؤسسين، وملاءتهم المالية وخبراتهم الصناعية، ولهذا السبب يشترط عند التأسيس نشر قائمة بأسماء المؤسسين. لكن كثيرا من هيئات المؤسسين تنسى ما ينبغي أن يقال بعد ذكر الأسماء. وهذا الذي ينبغي أن يقال ليس متطلبا قانونيا، لكنه متطلب عملي أساسي إذا أردنا إنجاح العملية: أوراق الاعتماد ضرورية مرة أخرى. وهنا ثمة ملحوظة مهمة، فالمطلوب أن تخطو باتجاه المساهمين المحتملين خطوات إضافية تتجاوز مجرد الالتزام الحرفي بالمتطلبات القانونية لكتيب الإصدار...
هنا أود أن أذكر الطرفين المعنيين بواحدة من أهم الأدوات التسويقية المنسية في شركاتنا ألا وهي مواقع الويب. فهذه المواقع، أي موقع الشركة المنوي تحويلها أو تأسيسها، تمثل أداة مهمة جدا لتقديم الكثير من المعلومات البنائية المفيدة وحتى الوثائق والتقارير والسير الذاتية للمؤسسين. فقط ارحموا من سيقرؤها ولا تتركوا مهمة تطوير هذه المواقع للمصممين التقنيين وحدهم، وإنما ضعوا خطة تسويقية/اتصالية متكاملة ولا تنسوا أن تطلبوا من المصمم التقني أن يجعلها سهلة الاستخدام سريعة التحميل. فكروا في موقعكم على الويب باعتباره نقطة جذب ومركز معلومات وحملة تسويقية ثابتة، وليس مجرد بروشور ممل.
ثم هنالك الخروج إلى العلن عن طريق وسائل الإعلام؛ وهي أبرز وسائل الاتصال اليوم. من المهم في مرحلة التجهيز للإصدار أن يسمع الناس عن شركتك بشكل جيد، وربما أكثر من اللازم، حسب واقع شركتك. أحد الأخطاء التي تحصل هنا تركيز الاتصال على الصحافة الاقتصادية والمالية العامة فقط... نصيحتي أن تضيف إليها الصحافة المتخصصة في قطاعك التجاري، ولذلك أهميته في بناء الموثوقية. وثمة خطأ آخر، يتمثل في الاعتماد على الإعلان كوسيلة اتصالية وحيدة، وسلبيته الأساسية أنه في معظم الحالات يعيد كتابة نشرة الإصدار كما هي دون أي دور اتصالي مكمل.
في هذه المرحلة، يفترض أن تبدأ بواكير قسم علاقات المساهمين بالظهور، وسيكون الأكثر فائدة أن يتم تأسيس القسم كجزء من قسم الاتصالات التسويقية وليس فقط من القسم المالي (فيما يتصل بأرباح المساهمين)، وأن يتم ذلك بالتزامن مع وضع الإستراتيجية التسويقية /الاتصالية للشركة بشكلها الجديد. لماذا؟ لكي تكون الرسالة التي تصل إلى مساهميك المحتملين واضحة ومشجعة ومتسقة مع الأهداف التسويقية والتجارية التي تريد أن تبني على أساسها نجاحك الجديد.
أثناء عملية التحول والإصدار
من المهم هنا أن تكون واضحا، وواضحا للغاية، في رسالتك: أنت تخاطب المساهمين المحتملين في شركتك الذين سيوفرون لها رأس المال اللازم لتنفيذ برنامجها الطموح وجني الأرباح منه، لأنهم يؤمنون بهذه الشركة ومستقبلها. وهذا يعني باختصار أنك لست معنيا بمخاطبة المضاربين ولا المساهمين الذين ينتظرون ارتفاع سعر السهم نتيجة حركة السوق ليبيعوه فهؤلاء لن يستمعوا لك، ولن يؤمنوا لك المبالغ التي يحتاجها رأس المال. أدرك أننا في المنطقة العربية نعاني من مشكلة مهمة في هذا السياق حيث يعتقد البعض أن هذا هو محور عمل البورصات، ولكنني أقترح على رؤساء الشركات المتحولة أو تحت التأسيس أن يتصرفوا من منظور اتصالي على أساس مخاطبة المستثمر الناضج وليس المضارب، المستثمر طويل الأجل وليس المتسرع قصير النظر.
ننصح هنا بوضع خطة اتصال استراتيجية تهدف إلى موضعة الشركة المعنية في مكانها الصحيح سوقيا، من خلال أهم عوامل نجاحها تجاريا، وستكون دراسة الجدوى التجارية مرجعا مفيدا هنا، لكن ليس وحيدا، لتعريف الجمهور بالشركة كفرصة استثمارية جذابة. وسيكون من الضروري في هذه المرحلة تقديم عناصر نجاح الشركة المختلفة بشكل متكامل سواء من حيث قصص النجاح الماضية أو الطاقم الإداري/الفني المتمكن أو حتى العوامل البسيطة مثل صور التوسعات والصفقات المهمة.
وستتيح لك التقنيات الحديثة، وخاصة تقنيات الميديا الاجتماعية، فرصة ذهبية هنا أنصحك باستخدامها، إذ يمكنك بناء قاعدة بيانات بالمستثمرين المحتملين (عبر موقعك مثلا) ومن ثم تزويدهم بنشرة منتظمة عبر البريد الإلكتروني تقدم لهم مادة ذات قيمة مضافة مثل أرباح شركات مماثلة في السوق العالمية، والتوقعات بحجم السوق في البلد/المنطقة لسنوات قادمة أو حجم الطلب على المنتجات/الخدمات. دعهم يتذكرون شركتك دائما باعتبارها فرصة ممتازة للنمو.
وإذا كانت فترة الاكتتاب على أسهم الشركة مريحة نسبيا (كما لو كانت المدة شهرا على سبيل المثال)، سيكون جيدا تنظيم موقع تسويقي لافت أمام مراكز الاكتتاب، ليتيح لمساهميك المحتملين لقاءك أو من يمثلك لتقديم معلومات مباشرة عن الشركة وقطاع أعمالها والإجابة على استفسارات اللحظة الأخيرة إن وجدت.
ما بعد الاكتتاب
الخطأ المركب الذي ترتكبه بعض الإدارات هنا يتمثل في التعامل مع المساهمين من منظور محاسبي بحت يتمثل في إرسال شيكات الأرباح سنويا ودعوات اجتماعات الهيئات العامة، وبالتالي استثنائهم من أي أنشطة اتصالية. ثم يضيف بعض المديرين خطأ آخر بافتراض أن المساهمين، وخاصة الأفراد، ليسوا ثابتين وبالتالي فلا داعي للقلق بشأنهم.
وبينما لا تزال فكرة نشرة البريد الإلكتروني صالحة كوسيلة اتصال مهمة، فإنني أذكر هنا بأن المطلوب يتجاوز مجرد إعلامهم بأنشطة الشركة إلى إشراكهم في دعم الشركة ومركزها التجاري والمالي. سيكون من العوامل المفيدة لهيئة المديرين (أو مجلس الإدارة) في الشركة بشكلها الجديد أن تبني علاقة ثقة مع المستثمرين (سواء كشركات أو كأفراد) بحيث تقل نسبة المضاربة السلبية على أسهم الشركة في جانب، وبحيث تؤدي اجتماعات الهيئات العامة إلى تعزيز الثقة بإدارة الشركة بما يسمح باستمرارية النجاح ومواصلة النمو.
لذلك، ستكون أدوات مثل التقارير المالية الدورية، ونشرة إخبارية شهرية عن حالة القطاع، ورسائل دورية من رئيس مجلس الإدارة ولقاءات فصلية اجتماعية مع المساهمين مجرد نماذج اتصالية أثبتت نجاحها في كثير من الشركات ونثق أنه من الممكن تكرارها أو ابتكار ما يتفوق عليها في شركاتنا على اختلاف حجومها.
لكن في الشق الاتصالي العام، لا بد من استمرار بعد المستثمر/المساهم في الإستراتيجية الاتصالية لضمان استمرار النظرة الإيجابية للشركة في أسواق المال. صحيح أن تغييرات سعر الأسهم بعد التأسيس لا تؤثر مباشرة في السيولة المالية المتاحة للشركة، إلا أنها تؤثر بشكل عام على المركز المالي للشركة نفسها وفرص توسعها الاستثماري، ما يلقي بمسؤولية أكبر على فريق الاتصال لتعزيز الصورة الإيجابية للشركة وأدائها الصناعي.
نصيحة أخيرة
تذكر أن علاقة الثقة التي تربطك بالمساهمين ستتيح لك تنفيذ برنامجك الإداري والتجاري براحة، كما أنها ستساعدك على تقديم مبادراتك الإيجابية تجاه المجتمع كالحوكمة والمسئولية الاجتماعية باعتبارها عوامل تعزيز لموجودات الشركة المادية والأخلاقية. تذكر: إنهم يعرفونك، وليسوا فقط يسمعون عنك.